هشام جعيط
124
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
العنصر الأساسي ، والعمود الفقري لنسق الخطط ، يمكن بفضله تحديدها وتعريفها ، وأيضا بصفتها الصلة المثلى للاتصال بين الصحن والخطط ، والمركز المشترك حيث تهيؤ الحياة الاجتماعية العربية الاسلامية الجديدة وخطط الوجود القبلي القديم ، وحتى الوجود العشائري . كانت الشوارع الواسعة المستقيمة تنطلق من المركز المربع نفسه ، وهو الذي يحوي ذاته مربعين هما المسجد والقصر . ونحن نميل إلى الاعتقاد أن شكل المدينة كلها كان مربعا ، على شاكلة بابل « 1 » ، مع الفارق أننا إزاء مدينة مفتوحة وبدون سور عن قصد ، ولا نعرف شيئا عن نهاية المناهج مع أننا نعرف بدايتها . وقد أسقط ماسينيون على مخططه شكلا دائريا أحيط بخندق دفاعي . وإذا ما كان هذا الشكل موجودا أبدا ، فلا يمكن أن يكون قد أقيم إلا في وقت متأخر ، لما تدخل المنصور وأمر بتشييد السور وحفر الخندق ، فضلا عن أنه بعث النموذج الساساني الدائري . الواقع أننا نتقدم في البحث بواسطة اللمسات والانطباعات وإقامة ما نزعم على الاحتمالات ، ولن يكون ذلك على أساس اليقين أبدا . هكذا ندرك أن التماثل ليس كاملا في تصور سيف . لماذا توجد خمس فتحات في الشمال ، وأربع في الجنوب ، وثلاث في الشرق ، وكذلك في الغرب ؟ وهل أن المسافة نفسها تفصل نقاط انطلاق المناهج ؟ وإذا حددنا خطة إحدى القبائل بكونها تقع بين طريقين ، فستظهر إلى الشمال مجالات ضيقة مستطيلة ، وخطط واسعة عريضة شرقا وغربا . لكن بجيلة وهمدان موجودتان في « الشمال » بالودعة ، كما أن دور وطلبات بجيلة « 2 » معروفة ، وقد ذكر اليعقوبي أن بجيلة كانت تستغل اقتطاعا مهمّا « 3 » ، جعلت منه كل روايات أبي مخنف النقطة المرجع بالنسبة للمنطقة الشمالية « 4 » . قلنا المنطقة الشمالية ؟ هل نحن على يقين من ذلك ؟ إن مشكل الوجهة مطروح حيث ينبغي أن تكون القبلة هي المرجع ، علما أنها تتجه إلى الجنوب الغربي ، لكن هذا الاتجاه لم يحسب حسابا صحيحا ( يقدر انحرافها ب 17 درجة ) . إن المسافر الذي يعبر اليوم الفرع الغربي للفرات ،
--> ( 1 ) هذا على الأقل ما قاله هيرودوتس : « كانت مدينة مربّعة الشكل ، تعد مائة وعشرين غلوة من كل وجه » ، وقد أورده ممفورد ، L . Mumford , op . cit . , p . 103 ؛ أما أوبنهايم Oppenheim , op . cit . , p . 146 فهو يميل إلى شكل المعين ؛ وتصرّح مرغريت روتن أن كل المؤلفين اتفقوا على أن شكل المدينة كان مربع الزوايا M . Rutten , . Babylone , p . 34 ( 2 ) فتوح البلدان ، ص 253 . ( 3 ) كتاب البلدان ، ص 310 . ( 4 ) الطبري ، ج 6 ، ص 46 - 48 .